محسن عقيل
577
طب الإمام الصادق ( ع )
العقل مخلوق عجيب الصنع ، عظيم الأثر ، كبير الفائدة ، تكرم به اللّه تعالى على الإنسان ليميزه عن سائر مخلوقاته ، وليجعله أشرفها إذا أطاعه وأخسها إذا عصاه وأعرض عن رشاده ومن الغريب أن هذا الخلق الجليل لم يعرف بالكنه والحقيقة بل إنما يدرك بآثاره ولوازمه ، ولم يميز إلا بأفعاله وأحكامه . وقد عرفه العلماء والعقلاء بتعاريف كثيرة ، مآل الكل واحد ، فقد قيل : إنه ملكة تدبر الحركات الإرادية من أي نوع كانت ، وقيل : العقل ملكة كسبية تتولى ضبط الأفعال ضبطا إراديا بتدبير خاص ولغرض خاص ، وإن عقول الأشخاص تتفاضل باختلاف وسائل الكسب ، فتتنوع الأعمال الناجمة عنها بل قد تتفاوت أفعال عقل الشخص الواحد باختلاف أطواره والمؤثرات فيه وقيل : العقل هو الذي يصوغ الأحكام بالقياس على ما خبره بنفعه وبما عرفه من غيره ، إلى غيرها من التعاريف التي تدور كلها مدار معرفة آثاره وأفعاله . وبالجملة فإن ما يؤخذ من مجموع التعاريف هو : إن العقل هو الذي يسير الإنسان في أعماله اليومية الذاتية والتي يجريها مع غيره ، وبدونه تقف أعمال الحياة ، أو أنها تسير سيرا بطيئا متعثرا . فإذا عرفت ذلك فاعلم أن الإنسان منذ ولد ودب إلى أن شب في الحياة ، كان عرضة للمهالك ، محاطا بمكاره الطبيعة ، وصدمات المحيط على أنه لا يملك من القوة الطبيعية والإلهامات الفطرية مثلما يملك الحيوان . فإنه خلق قاصرا عاجزا محتاجا جاهلا ، ولا كذلك الحيوان الذي منح إلهاما خاصا وإدراكا محدودا يسير انه في طريق الحياة بدافع فطري لا يختلف ، ولا يحتاج إلى روية وفكر ، بمعنى أن عيشته عيشة بهيمة غير قابلة للتغيير والاختلاف . ولكن اللّه تعالى بعد أن سلب الإنسان ذلك الإلهام الخاص ، أودع فيه جوهرة ثمينة أضاءت جسمه الكثيف حتى جعلته يشع في هذا الكون الملئ بالمخلوقات الأخر غيره أعني منحه عقلا جبارا ، وجعل في خزائنه أسرارا كامنة كمون النار في الزناد ، تزيد وتنقص ، وتظهر وتختفي ، حسب احتياجه لاستعمالها في أمر المعاش أو المعاد ، وتدبير وسائل الحياة من جلب نفع أو دفع